الشيخ السبحاني

18

مفاهيم القرآن

أفيمكن تفسير الآية - حينئذ - بغير ما اختاره جمهور المفسرين من صيرورتهم قردة حقيقيّين ، وأي عذاب بئيس أشدّ من صيرورة الإنسان بصورة القردة المطرودة ! ! رابعاً : أنّ ما ردّ به نظرية الجمهور من أنّه لا يكون المسخ الصوري موعظة للعصاة ، لأنّهم يعلمون - بالمشاهدة - أنّ اللَّه لا يمسخ كلّ عاص . . . إلى آخر كلامه ، مردود بوجهين : الأوّل : أنّه لو صح ذلك لوجب تأويل جميع ما ورد في القرآن الكريم من الإبادة والإهلاك بالخسف والإمطار بالحجارة ، والغرق ، والريح ، وغير ذلك مما وقع بالأُمم السالفة عقاباً وعبرة للآخرين ، وذلك مثل قوله سبحانه : « وَقَومَ نُوحٍ لمّا كَذّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ وجَعَلْناهُم لِلنّاسِ آيةً وأعتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذَاباً ألِيماً » « 1 » ، ومثل قوله سبحانه في شأن فرعون : « فَقَالَ أنا رَبُّكُمُ الأعلى * فأَخَذَهُ اللَّهُ نكالَ الآخِرةِ والأُولى * إنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرًةً لِمَن يَخْشَى » « 2 » . إنّه سبحانه يصرح في الآية الأُولى والثانية بأنّه إنّما فعل ما فعل بقوم نوح وبفرعون ليكونوا عبرة للآخرين ، وتذكاراً . على أنّ اللَّه سبحانه يذكر نظير ذلك في سورة هود ، وذلك عندما يستعرضقصص من أرسل إليهم الأنبياء وأنّهم كذبوهم ، فأصابهم اللَّه بشتّى ألوان العذاب والإهلاك ، وذلك مثل قوم نوح ، وقوم عاد ، وقوم ثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم فرعون ، ثم يختم هذا الاستعراض المفصل بقوله تعالى : « وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ القُرَى وهِيَ ظالِمَةٌ إنّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيد * إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لِمَن خافَ عذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَومٌ مَجموعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَومٌ

--> ( 1 ) الفرقان : 37 . ( 2 ) النازعات : 24 - 26 .